مجموعة مؤلفين

191

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الهواء يلي ركن النار ، والجامع بينهما الحرارة وجعل الماء يلي الهواء والجامع بينهما الرطوبة . وجعل التراب يلي الماء ، والجامع بينهما البرودة « 1 » . أبعد هذا التفصيل الفاهم ، وذلك التوجيه العالم الهاضم ، وتلك الإلمامات الشاملة وهاتيك الإحاطات الكاملة بمذهب طاليس الإيونى الذي يرى أن أصل العالم هو الماء ، ومذهب أنا كسيمانس الذي يجزم بأن أصله هو الهواء ، ومذهب هيراقليطيس الذي يعلن أنه النار ، ومذهب أمبيذوقليس الذي يصرح بأن الأصل هو العناصر الأربعة مجتمعة ، لأن الجزء لا يمكن أن يكون أصلا ومذهب انا كسيماندروس الذي يرفض أن يكون أصل الكون عنصرا منفردا من هذه العناصر . أو أنها هي مجتمعة ، ويصرح بأن الأصل شئ آخر غيرها كلها ، ويدعوه بالمبهم أو اللامحدود ، وهو ما يعبر عنه الإمام الأكبر محيي الدين تارة بالطبيعة وأخرى بالعماء . وقد ذكر إلى جانب هذا كله نظرية تنافر العناصر إذا اجتمعت من غير ترتيب أو تنظيم . ذلك التنافر الذي عزا إليه أمبيذوقليس ظاهرة الموت التي ليست سوى تفرق تلك العناصر بسبب تنافرها . ولم يترك الإمام هذه النظرية عائمة كما وردت عن فيلسوف كورانتا ، بل ذكر عوامل انسجامها واتساقها ، وأرجع ذلك إلى توافقها إذا تجاورت مرتبة على النحو الطبيعي ، ولم يفصل بين كل اثنين منها فاصل تنافرى ، فعدد أوجه الالتئام فيها ، وعزا كلا منها إلى طبيعته من الحرارة والبرودة ، واليبوسة والرطوبة التي هي أصول الحفة والثقل ، وما إلى ذلك من أدلة الاطلاع التي لا تقبل النقاش . أبعد كل ذلك يمكن أن يتصور عقل عاقل أن محيي الدين لم يتثقف بتلك الثقافة الشاملة التي كانت تعاصره في الشرق والغرب ؟ ولكن « ما يعقلها إلا العالمون » .

--> ( 1 ) انظر ص 138 من الجزء الأول من الفتوحات المكية